[B]
قصيدة نهج البردة لأمير الشعراء أحمد شوقي والتى عارض فيها رائعة الأمام البوصيري ( البردة ) والتى يقول فيها :
أمِنْ تَذَكُّرِ جِيران بِذِي سَلَمٍ = مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ
هي واحدة من أروع قصائد الشعر العربي .

ريـمٌ عَـلى الـقاعِ بَـينَ البانِ وَالعَلَمِ = أَحَـلَّ سَـفكَ دَمـي في الأَشهُرِ الحُرُمِ
رَمـى الـقَضاءُ بِـعَينَي جُـؤذَرٍ أَسَداً = يـا سـاكِنَ القاعِ أَدرِك ساكِنَ الأَجَمِ
لَـمّا رَنـا حَـدَّثَتني الـنَفسُ قـائِلَةً = يـا وَيـحَ جَنبِكَ بِالسَهمِ المُصيبِ رُمي
جَـحَدتُها وَكَـتَمتُ السَهمَ في كَبِدي = جُـرحُ الأَحِـبَّةِ عِـندي غَـيرُ ذي أَلَمِ
رُزِقـتَ أَسـمَحَ مـا في الناسِ مِن خُلُقٍ = إِذا رُزِقـتَ اِلـتِماسَ الـعُذرِ في الشِيَمِ
يـا لائِـمي فـي هَـواهُ وَالـهَوى قَدَرٌ = لَـو شَـفَّكَ الـوَجدُ لَم تَعذِل وَلَم تَلُم
ِلَـقَـد أَنَـلتُكَ أُذنـاً غَـيرَ واعِـيَةٍ = وَرُبَّ مُـنتَصِتٍ وَالـقَلبُ فـي صَـمَمِ
يـا نـاعِسَ الطَرفِ لا ذُقتَ الهَوى أَبَداً = أَسـهَرتَ مُـضناكَ في حِفظِ الهَوى فَنَمِ
أَفـديكَ إِلـفاً وَلا آلـو الـخَيالَ فِدىً = أَغـراكَ بـاِلبُخلِ مَـن أَغـراهُ بِالكَرَمِ
سَـرى فَـصادَفَ جُـرحاً دامِـياً فَأَسا = وَرُبَّ فَـضلٍ عَـلى الـعُشّاقِ لِـلحُلُمِ
مَــنِ الـمَوائِسُ بـاناً بِـالرُبى وَقَـناً = الـلاعِباتُ بِـروحي الـسافِحاتُ دَمي
الـسافِراتُ كَـأَمثالِ الـبُدورِ ضُحىً = يُـغِرنَ شَـمسَ الضُحى بِالحَليِ وَالعِصَمِ
الـقـاتِلاتُ بِـأَجـفانٍ بِـها سَـقَمٌ = وَلِـلـمَنِيَّةِ أَسـبـابٌ مِـنَ الـسَقَمِ
الـعـاثِراتُ بِـأَلبابِ الـرِجالِ وَمـا = أُقِـلنَ مِـن عَـثَراتِ الـدَلِّ في الرَسَمِ
الـمُضرِماتُ خُـدوداً أَسـفَرَت وَجَلَت = عَـن فِـتنَةٍ تُـسلِمُ الأَكـبادَ لِـلضَرَمِ
الـحـامِلاتُ لِـواءَ الـحُسنِ مُـختَلِفاً = أَشـكالُهُ وَهـوَ فَـردٌ غَـيرُ مُـنقَسِمِ
مِـن كُـلِّ بَـيضاءَ أَو سَـمراءَ زُيِّنَتا = لِـلعَينِ وَالـحُسنُ فـي الآرامِ كَالعُصُمِ
يُـرَعنَ لِـلبَصَرِ الـسامي وَمِن عَجَبٍ = إِذا أَشَــرنَ أَسَـرنَ الـلَيثَ بِـالغَنَمِ
وَضَـعتُ خَـدّي وَقَسَّمتُ الفُؤادَ رُبيً = يَـرتَعنَ فـي كُـنُسٍ مِـنهُ وَفي أَكَمِ
يـا بِـنتَ ذي الـلَبَدِ الـمُحَمّى جانِبُهُ = أَلـقاكِ فـي الـغابِ أَم أَلقاكِ في الأُطُمِ
مـا كُـنتُ أَعـلَمُ حَـتّى عَنَّ مَسكَنُهُ = أَنَّ الـمُـنى وَالـمَنايا مَـضرِبُ الـخِيَمِ
مَـن أَنـبَتَ الغُصنَ مِن صَمصامَةٍ ذَكَرٍ = وَأَخـرَجَ الـريمَ مِـن ضِـرغامَةٍ قَرِمِ
بَـيني وَبَـينُكِ مِـن سُمرِ القَنا حُجُبٌ = وَمِـثـلُها عِـفَّـةٌ عُـذرِيَّةُ الـعِصَمِ
لَـم أَغـشَ مَغناكِ إِلّا في غُضونِ كِرىً = مَـغـناكَ أَبـعَدُ لِـلمُشتاقِ مِـن إِرَمِ
يـا نَـفسُ دُنـياكِ تُـخفى كُلَّ مُبكِيَةٍ = وَإِن بَـدا لَـكِ مِـنها حُـسنُ مُبتَسَمِ
فُـضّي بِـتَقواكِ فـاهاً كُلَّما ضَحِكَت = كَـما يَـفُضُّ أَذى الـرَقشاءِ بِـالثَرَمِ
مَـخطوبَةٌ مُـنذُ كـانَ الـناسُ خاطِبَةٌ = مِـن أَوَّلِ الـدَهرِ لَـم تُـرمِل وَلَم تَئَمِ
يَـفنى الـزَمانُ وَيَـبقى مِـن إِساءَتِها = جُـرحٌ بِـآدَمَ يَـبكي مِـنهُ فـي الأَدَمِ
لا تَـحـفَلي بِـجَـناها أَو جِـنايَتِها = الـمَوتُ بِـالزَهرِ مِـثلُ الـمَوتِ بِالفَحَمِ
كَـم نـائِمٍ لا يَـراها وَهـيَ سـاهِرَةٌ = لَـولا الأَمـانِيُّ وَالأَحـلامُ لَـم يَـنَمِ
طَـوراً تَـمُدُّكَ فـي نُـعمى وَعـافِيَةٍ = وَتـارَةً فـي قَـرارِ الـبُؤسِ وَالوَصَمِ
كَـم ضَـلَّلَتكَ وَمَـن تُحجَب بَصيرَتُهُ = إِن يَـلقَ صـابا يَـرِد أَو عَـلقَماً يَسُمُ
يـا وَيـلَتاهُ لِـنَفسي راعَـها وَدَهـا = مُـسوَدَّةُ الـصُحفِ فـي مُبيَضَّةِ اللَمَمِ
رَكَـضتُها فـي مَـريعِ الـمَعصِياتِ وَما = أَخَـذتُ مِـن حِـميَةِ الطاعاتِ لِلتُخَمِ
هـامَت عَـلى أَثَـرِ الـلَذّاتِ تَطلُبُها = وَالـنَفسُ إِن يَـدعُها داعي الصِبا تَهِمِ
صَــلاحُ أَمـرِكَ لِـلأَخلاقِ مَـرجِعُهُ = فَـقَـوِّمِ الـنَفسَ بِـالأَخلاقِ تَـستَقِمِ
وَالـنَفسُ مِـن خَـيرِها فـي خَيرِ عافِيَةٍ = وَالـنَفسُ مِـن شَـرِّها فـي مَرتَعٍ وَخِمِ
تَـطغى إِذا مُـكِّنَت مِـن لَـذَّةٍ وَهَوىً = طَـغيَ الـجِيادِ إِذا عَضَّت عَلى الشُكُمِ
إِن جَـلَّ ذَنـبي عَـنِ الـغُفرانِ لي أَمَلٌ = فـي الـلَهِ يَـجعَلُني فـي خَـيرِ مُعتَصِمِ
أَلـقى رَجـائي إِذا عَـزَّ الـمُجيرُ عَلى = مُـفَرِّجِ الـكَرَبِ فـي الدارَينِ وَالغَمَمِ
إِذا خَـفَضتُ جَـناحَ الـذُلِّ أَسـأَلُهُ = عِـزَّ الـشَفاعَةِ لَـم أَسـأَل سِوى أُمَمِ
وَإِن تَـقَـدَّمَ ذو تَـقـوى بِـصالِحَةٍ = قَـدَّمـتُ بَـينَ يَـدَيهِ عَـبرَةَ الـنَدَمِ
لَـزِمتُ بـابَ أَمـيرِ الأَنـبِياءِ وَمَـن = يُـمسِك بِـمِفتاحِ بـابِ الـلَهِ يَغتَنِمِ
فَـكُـلُّ فَـضلٍ وَإِحـسانٍ وَعـارِفَةٍ = مــا بَـيـنَ مُـستَلِمٍ مِـنهُ وَمُـلتَزِمِ
عَـلَّقتُ مِـن مَـدحِهِ حَـبلاً أُعَـزُّ بِهِ = فـي يَـومِ لا عِـزَّ بِـالأَنسابِ وَاللُحَمِ
يُـزري قَـريضي زُهَـيراً حـينَ أَمدَحُهُ = وَلا يُـقاسُ إِلـى جـودي لَـدى هَرِمِ
مُـحَـمَّدٌ صَـفوَةُ الـباري وَرَحـمَتُهُ = وَبُـغيَةُ الـلَهِ مِـن خَـلقٍ وَمِـن نَسَمِ
وَصـاحِبُ الـحَوضِ يَومَ الرُسلِ سائِلَةٌ = مَـتى الـوُرودُ وَجِـبريلُ الأَمينُ ظَمي
سَـنـاؤُهُ وَسَـناهُ الـشَمسُ طـالِعَةً = فَـالجِرمُ فـي فَـلَكٍ وَالـضَوءُ في عَلَمِ
قَـد أَخـطَأَ الـنَجمَ مـا نـالَت أُبُوَّتُهُ = مِـن سُـؤدُدٍ بـاذِخٍ فـي مَظهَرٍ سَنِمِ
نُـموا إِلَـيهِ فَـزادوا فـي الوَرى شَرَفاً = وَرُبَّ أَصـلٍ لِـفَرعٍ فـي الفَخارِ نُمي
حَـواهُ فـي سُـبُحاتِ الـطُهرِ قَبلَهُمُ = نـورانِ قـاما مَـقامَ الصُلبِ وَالرَحِمِ
لَـمّـا رَآهُ بَـحـيرا قــالَ نَـعرِفُهُ = بِـما حَـفِظنا مِـنَ الأَسـماءِ وَالـسِيَمِ
سـائِل حِـراءَ وَروحَ القُدسِ هَل عَلِما = مَـصونَ سِـرٍّ عَـنِ الإِدراكِ مُـنكَتِمِ
كَـم جـيئَةٍ وَذَهـابٍ شُـرِّفَت بِهِما = بَـطحاءُ مَـكَّةَ فـي الإِصباحِ وَالغَسَمِ
وَوَحـشَةٍ لِاِبـنِ عَـبدِ الـلَهِ بـينَهُما = أَشـهى مِـنَ الأُنسِ بِالأَحسابِ وَالحَشَمِ
يُـسامِرُ الـوَحيَ فـيها قَـبلَ مَـهبِطِهِ = وَمَـن يُـبَشِّر بِـسيمى الـخَيرِ يَـتَّسِمِ
لَـمّا دَعـا الصَحبُ يَستَسقونَ مِن ظَمَإٍ = فـاضَت يَـداهُ مِـنَ الـتَسنيمِ بِالسَنَمِ
وَظَـلَّـلَتهُ فَـصـارَت تَـستَظِلُّ بِـهِ = غَـمـامَةٌ جَـذَبَـتها خـيرَةُ الـدِيَمِ
مَـحَـبَّةٌ لِـرَسـولِ الـلَـهِ أُشـرِبَها = قَـعائِدُ الـدَيرِ وَالـرُهبانُ فـي القِمَمِ
إِنَّ الـشَمائِلَ إِن رَقَّـت يَـكادُ بِـها = يُـغرى الـجَمادُ وَيُـغرى كُلُّ ذي نَسَمِ
وَنـودِيَ اِقـرَأ تَـعالى الـلَهُ قـائِلُها = لَـم تَـتَّصِل قَـبلَ مَـن قيلَت لَهُ بِفَمِ
هُـنـاكَ أَذَّنَ لِـلـرَحَمَنِ فَـاِمتَلَأَت = أَسـمـاعُ مَـكَّةَ مِـن قُـدسِيَّةِ الـنَغَمِ
فَـلا تَـسَل عَـن قُرَيشٍ كَيفَ حَيرَتُها = وَكَـيفَ نُـفرَتُها فـي الـسَهلِ وَالعَلَمِ
تَـساءَلوا عَـن عَـظيمٍ قَـد أَلَمَّ بِهِم = رَمــى الـمَشايِخَ وَالـوِلدانِ بِـاللَمَمِ
يـا جـاهِلينَ عَـلى الـهادي وَدَعوَتِهِ = هَـل تَـجهَلونَ مَـكانَ الصادِقِ العَلَمِ
لَـقَّـبتُموهُ أَمـينَ الـقَومِ فـي صِـغَرٍ = وَمــا الأَمـينُ عَـلى قَـولٍ بِـمُتَّهَمِ
فـاقَ الـبُدورَ وَفـاقَ الأَنـبِياءَ فَكَم = بِـالخُلقِ وَالـخَلقِ مِن حُسنٍ وَمِن عِظَمِ
جـاءَ الـنبِيّونَ بِـالآياتِ فَـاِنصَرَمَت = وَجِـئـتَنا بِـحَـكيمٍ غَـيرِ مُـنصَرِمِ
آيـاتُـهُ كُـلَّما طـالَ الـمَدى جُـدُدٌ = يَـزيـنُهُنَّ جَــلالُ الـعِتقِ وَالـقِدَمِ
يَـكـادُ فــي لَـفظَةٍ مِـنهُ مُـشَرَّفَةٍ = يـوصيكَ بِـالحَقِّ وَالـتَقوى وَبِالرَحِمِ
يـا أَفـصَحَ الـناطِقينَ الـضادَ قاطِبَةً = حَـديثُكَ الـشَهدُ عِـندَ الذائِقِ الفَهِمِ
حَـلَّيتَ مِـن عَـطَلٍ جـيدَ البَيانِ بِهِ = فـي كُـلِّ مُـنتَثِرٍ فـي حُـسنِ مُنتَظِمِ
بِـكُـلِّ قَـولٍ كَـريمٍ أَنـتَ قـائِلُهُ = تُـحيِ الـقُلوبَ وَتُـحيِ مَـيِّتَ الهِمَمِ
سَــرَت بَـشائِرُ بـاِلهادي وَمَـولِدِهِ = في الشَرقِ وَالغَربِ مَسرى النورِ في الظُلَمِ
تَـخَطَّفَت مُـهَجَ الـطاغينَ مِـن عَرَبٍ = وَطَـيَّرَت أَنـفُسَ الـباغينَ مِـن عُجُمِ
ريـعَت لَـها شَرَفُ الإيوانِ فَاِنصَدَعَت = مِـن صَـدمَةِ الحَقِّ لا مِن صَدمَةِ القُدُمِ
أَتَـيتَ وَالـناسُ فَـوضى لا تَـمُرُّ بِهِم = إِلّا عَـلى صَـنَمٍ قَـد هـامَ فـي صَنَمِ
وَالأَرضُ مَـمـلوءَةٌ جَـوراً مُـسَخَّرَةٌ = لِـكُلِّ طـاغِيَةٍ فـي الـخَلقِ مُـحتَكِمِ
مُـسَيطِرُ الـفُرسِ يَـبغي فـي رَعِـيَّتِهِ = وَقَـيصَرُ الـرومِ مِـن كِـبرٍ أَصَمُّ عَمِ
يُـعَـذِّبانِ عِـبـادَ الـلَهِ فـي شُـبَهٍ = وَيَـذبَـحانِ كَـما ضَـحَّيتَ بِـالغَنَمِ
وَالـخَلقُ يَـفتِكُ أَقـواهُم بِـأَضعَفِهِم = كَـاللَيثِ بِـالبَهمِ أَو كَـالحوتِ بِالبَلَمِ
أَسـرى بِـكَ الـلَهُ لَـيلاً إِذ مَـلائِكُهُ = وَالـرُسلُ في المَسجِدِ الأَقصى عَلى قَدَمِ
لَـمّا خَـطَرتَ بِـهِ اِلـتَفّوا بِـسَيِّدِهِم = كَـالشُهبِ بِـالبَدرِ أَو كَـالجُندِ بِالعَلَمِ
صَـلّى وَراءَكَ مِـنهُم كُـلُّ ذي خَطَرٍ = وَمَــن يَـفُز بِـحَبيبِ الـلَهِ يَـأتَمِمِ
جُـبتَ الـسَماواتِ أَو ما فَوقَهُنَّ بِهِم = عَـلـى مُـنَـوَّرَةٍ دُرِّيَّــةِ الـلُجُمِ
مَـشـيئَةُ الـخالِقِ الـباري وَصَـنعَتُهُ = وَقُـدرَةُ الـلَهِ فَـوقَ الـشَكِّ وَالتُهَمِ
حَـتّى بَـلَغتَ سَـماءً لا يُـطارُ لَـها = عَـلى جَـناحٍ وَلا يُـسعى عَـلى قَدَمِ
وَقـيـلَ كُــلُّ نَـبِيٍّ عِـندَ رُتـبَتِهِ = وَيـا مُـحَمَّدُ هَـذا الـعَرشُ فَـاِستَلِمِ
خَـطَطتَ لِـلدينِ وَالـدُنيا عُـلومَهُما = يـا قـارِئَ الـلَوحِ بَل يا لامِسَ القَلَمِ
أَحَـطتَ بَـينَهُما بِـالسِرِّ وَاِنـكَشَفَت = لَـكَ الـخَزائِنُ مِـن عِـلمٍ وَمِن حِكَمِ
وَضـاعَفَ الـقُربُ مـا قُلِّدتَ مِن مِنَنٍ = بِـلا عِـدادٍ وَمـا طُـوِّقتَ مِـن نِعَمِ
سَـل عُـصبَةَ الشِركِ حَولَ الغارِ سائِمَةً = لَـولا مُـطارَدَةُ الـمُختارِ لَـم تُـسَمَ
هَـل أَبـصَروا الأَثَرَ الوَضّاءَ أَم سَمِعوا = هَـمسَ الـتَسابيحِ وَالـقُرآنِ مِن أُمَمِ
وَهَـل تَـمَثَّلَ نَـسجُ الـعَنكَبوتِ لَهُم = كَـالغابِ وَالحائِماتُ وَالزُغبُ كَالرُخَمِ
فَـأَدبَـروا وَوُجـوهُ الأَرضِ تَـلعَنُهُم = كَـباطِلٍ مِـن جَـلالِ الـحَقِّ مُـنهَزِمِ
لَـولا يَـدُ الـلَهِ بِـالجارَينَ مـا سَلِما = وَعَـينُهُ حَـولَ رُكـنِ الـدينِ لَم يَقُمِ
تَـوارَيـا بِـجَـناحِ الـلَهِ وَاِسـتَتَرا = وَمَـن يَـضُمُّ جَـناحُ الـلَهِ لا يُـضَمِ
يـا أَحـمَدَ الـخَيرِ لـي جـاهٌ بِتَسمِيَتي = وَكَـيفَ لا يَـتَسامى بِـالرَسولِ سَمي
الـمـادِحونَ وَأَربـابُ الـهَوى تَـبَعٌ = لِـصاحِبِ الـبُردَةِ الـفَيحاءِ ذي القَدَمِ
مَـديحُهُ فـيكَ حُـبٌّ خـالِصٌ وَهَوىً = وَصـادِقُ الـحُبِّ يُـملي صادِقَ الكَلَمِ
الـلَـهُ يَـشـهَدُ أَنّـي لا أُعـارِضُهُ = مـن ذا يُـعارِضُ صَوبَ العارِضِ العَرِمِ
وَإِنَّـما أَنـا بَـعضُ الـغابِطينَ وَمَـن = يَـغـبِط وَلِـيَّكَ لا يُـذمَم وَلا يُـلَمِ
هَـذا مَـقامٌ مِـنَ الـرَحمَنِ مُـقتَبَسٌ = تَـرمـي مَـهـابَتُهُ سَـحبانَ بِـالبَكَمِ
الـبَدرُ دونَـكَ فـي حُسنٍ وَفي شَرَفٍ = وَالـبَحرُ دونَـكَ فـي خَـيرٍ وَفي كَرَمِ
شُـمُّ الـجِبالِ إِذا طـاوَلتَها اِنـخَفَضَت = وَالأَنـجُمُ الـزُهرُ مـا واسَـمتَها تَسِمِ
وَالـلَيثُ دونَـكَ بَـأساً عِـندَ وَثبَتِهِ = إِذا مَـشَيتَ إِلـى شاكي السِلاحِ كَمي
تَـهـفو إِلَـيكَ وَإِن أَدمَـيتَ حَـبَّتَها = فـي الـحَربِ أَفـئِدَةُ الأَبـطالِ وَالبُهَمِ
مَـحَـبَّةُ الـلَـهِ أَلـقـاها وَهَـيبَتُهُ = عَـلى اِبـنِ آمِـنَةٍ فـي كُـلِّ مُصطَدَمِ
كَـأَنَّ وَجـهَكَ تَحتَ النَقعِ بَدرُ دُجىً = يُـضـيءُ مُـلـتَثِماً أَو غَـيرَ مُـلتَثِمِ
بَــدرٌ تَـطَـلَّعَ فـي بَـدرٍ فَـغُرَّتُهُ = كَـغُرَّةِ الـنَصرِ تَـجلو داجِـيَ الظُلَمِ
ذُكِـرتَ بِـاليُتمِ فـي الـقُرآنِ تَكرِمَةً = وَقـيمَةُ الـلُؤلُؤِ الـمَكنونِ فـي الـيُتُمِ
الـلَـهُ قَـسَّمَ بَـينَ الـناسِ رِزقَـهُمُ = وَأَنـتَ خُـيِّرتَ فـي الأَرزاقِ وَالقِسَمِ
إِن قُـلتَ فـي الأَمرِ لا أَو قُلتَ فيهِ نَعَم = فَـخيرَةُ الـلَهِ فـي لا مِـنكَ أَو نَـعَمِ
أَخـوكَ عـيسى دَعـا مَـيتاً فَـقامَ لَهُ = وَأَنـتَ أَحـيَيتَ أَجـيالاً مِـنَ الزِمَمِ
وَالـجَهلُ مَـوتٌ فَـإِن أوتيتَ مُعجِزَةً = فَـاِبعَث مِنَ الجَهلِ أَو فَاِبعَث مِنَ الرَجَمِ
قـالوا غَـزَوتَ وَرُسـلُ اللَهِ ما بُعِثوا = لِـقَتلِ نَـفسٍ وَلا جـاؤوا لِسَفكِ دَمِ
جَـهلٌ وَتَـضليلُ أَحـلامٍ وَسَـفسَطَةٌ = فَـتَحتَ بِـالسَيفِ بَـعدَ الفَتحِ بِالقَلَمِ
لَـمّا أَتـى لَـكَ عَفواً كُلُّ ذي حَسَبٍ = تَـكَـفَّلَ الـسَيفُ بِـالجُهّالِ وَالـعَمَم
ِوَالـشَرُّ إِن تَـلقَهُ بِـالخَيرِ ضِـقتَ بِهِ = ذَرعــاً وَإِن تَـلقَهُ بِـالشَرِّ يَـنحَسِمِ
سَـلِ الـمَسيحِيَّةَ الـغَرّاءَ كَـم شَرِبَت = بِـالصابِ مِـن شَـهَواتِ الظالِمِ الغَلِمِ
طَـريدَةُ الـشِركِ يُـؤذيها وَيـوسِعُها = فـي كُـلِّ حـينٍ قِـتالاً ساطِعَ الحَدَمِ
لَـولا حُـماةٌ لَـها هَـبّوا لِـنُصرَتِها = بِـالسَيفِ مـا اِنتَفَعَت بِالرِفقِ وَالرُحَمِ
لَـولا مَـكانٌ لِـعيسى عِـندَ مُـرسِلِهِ = وَحُـرمَةٌ وَجَـبَت لِـلروحِ فـي القِدَمِ
لَـسُمِّرَ الـبَدَنُ الـطُهرُ الشَريفُ عَلى = لَـوحَينِ لَـم يَـخشَ مُؤذيهِ وَلَم يَجِمِ
جَـلَّ الـمَسيحُ وَذاقَ الـصَلبَ شـانِئُهُ = إِنَّ الـعِقابَ بِـقَدرِ الـذَنبِ وَالـجُرُمِ
أَخـو الـنَبِيِّ وَروحُ الـلَهِ فـي نُـزُلٍ = فَـوقَ الـسَماءِ وَدونَ الـعَرشِ مُحتَرَمِ
عَـلَّمتَهُم كُـلَّ شَـيءٍ يَـجهَلونَ بِـهِ = حَـتّى الـقِتالَ وَمـا فـيهِ مِـنَ الذِمَمِ
دَعَـوتَـهُم لِـجِهادٍ فـيهِ سُـؤدُدُهُم = وَالـحَربُ أُسُّ نِـظامِ الـكَونِ وَالأُمَمِ
لَـولاهُ لَـم نَـرَ لِـلدَولاتِ فـي زَمَنٍ = مـا طـالَ مِـن عُـمُدٍ أَو قَرَّ مِن دُهُمِ
تِـلكَ الـشَواهِدُ تَـترى كُـلَّ آوِنَـةٍ = فـي الأَعـصُرِ الغُرِّ لا في الأَعصُرِ الدُهُمِ
بِـالأَمسِ مـالَت عُروشٌ وَاِعتَلَت سُرُرٌ = لَـولا الـقَذائِفُ لَـم تَـثلَم وَلَم تَصُمِ
أَشـياعُ عـيسى أَعَـدّوا كُـلَّ قاصِمَةٍ = وَلَـم نُـعِدُّ سِـوى حـالاتِ مُنقَصِمِ
مَـهما دُعـيتَ إِلـى الهَيجاءِ قُمتَ لَها = تَـرمي بِـأُسدٍ وَيَـرمي الـلَهُ بِالرُجُمِ
عَـلى لِـوائِكَ مِـنهُم كُـلُّ مُـنتَقِمٍ = لِـلَّـهِ مُـستَقتِلٍ فـي الـلَهِ مُـعتَزِمِ
مُـسَـبِّحٍ لِـلِـقاءِ الـلَـهِ مُـضطَرِمٍ = شَـوقاً عَـلى سـابِخٍ كَالبَرقِ مُضطَرِمِ
لَـو صـادَفَ الـدَهرَ يَبغي نَقلَةً فَرَمى = بِـعَزمِهِ فـي رِحـالِ الـدَهرِ لَـم يَرِمِ
بـيضٌ مَـفاليلُ مِـن فِعلِ الحُروبِ بِهِم = مِـن أَسـيُفِ الـلَهِ لا الـهِندِيَّةُ الخُذُمُ
كَـم فـي التُرابِ إِذا فَتَّشتَ عَن رَجُلٍ = مَـن مـاتَ بِالعَهدِ أَو مَن ماتَ بِالقَسَمِ
لَـولا مَـواهِبُ فـي بَـعضِ الأَنامِ لَما = تَـفاوَتَ الـناسُ فـي الأَقـدارِ وَالقِيَمِ
شَـريعَةٌ لَـكَ فَـجَّرتَ الـعُقولَ بِـها = عَـن زاخِـرٍ بِـصُنوفِ الـعِلمِ مُلتَطِمِ
يَـلوحُ حَـولَ سَـنا التَوحيدِ جَوهَرُها = كَـالحَليِ لِـلسَيفِ أَو كَـالوَشيِ لِلعَلَمِ
غَـرّاءُ حـامَت عَـلَيها أَنـفُسٌ وَنُهىً = وَمَـن يَـجِد سَـلسَلاً مِن حِكمَةٍ يَحُمِ
نـورُ الـسَبيلِ يُـساسُ الـعالِمونَ بِها = تَـكَـفَّلَت بِـشَبابِ الـدَهرِ وَالـهَرَمِ
يَـجري الـزَمانُ وَأَحـكامُ الزَمانِ عَلى = حُـكمٍ لَـها نـافِذٍ فـي الخَلقِ مُرتَسِمِ
لَـمّا اِعـتَلَت دَولَـةُ الإِسلامِ وَاِتَّسَعَت = مَـشَت مَـمالِكُهُ فـي نـورِها الـتَمَمِ
وَعَـلَّـمَت أُمَّــةً بِـالـقَفرِ نـازِلَةً = رَعـيَ الـقَياصِرِ بَـعدَ الـشاءِ وَالنَعَمِ
كَـم شَـيَّدَ الـمُصلِحونَ العامِلونَ بِها = فـي الـشَرقِ وَالغَربِ مُلكاً باذِخَ العِظَمِ
لِـلعِلمِ وَالـعَدلِ وَالـتَمدينِ ما عَزَموا = مِـنَ الأُمـورِ وَمـا شَـدّوا مِنَ الحُزُمِ
سُـرعانَ مـا فَـتَحوا الـدُنيا لِمِلَّتِهِم = وَأَنـهَلوا الـناسَ مِـن سَلسالِها الشَبِمِ
سـاروا عَـلَيها هُـداةَ الناسِ فَهيَ بِهِم = إِلـى الـفَلاحِ طَـريقٌ واضِـحُ العَظَمِ
لا يَـهدِمُ الـدَهرُ رُكـناً شـادَ عَدلَهُمُ = وَحـائِطُ الـبَغيِ إِن تَـلمَسهُ يَـنهَدِمِ
نـالوا الـسَعادَةَ في الدارَينِ وَاِجتَمَعوا = عَـلى عَـميمٍ مِـنَ الـرُضوانِ مُقتَسَمِ
دَع عَـنكَ رومـا وَآثـينا وَمـا حَوَتا = كُـلُّ الـيَواقيتِ فـي بَـغدادَ وَالـتُوَمِ
وَخَـلِّ كِـسرى وَإيـواناً يَـدِلُّ بِـهِ = هَـوىً عَـلى أَثَـرِ الـنيرانِ وَالأَيُـمِ
وَاِتـرُك رَعـمَسيسَ إِنَّ الـمُلكَ مَظهَرُهُ = فـي نَـهضَةِ الـعَدلِ لا في نَهضَةِ الهَرَمِ
دارُ الـشَرائِعِ رومـا كُـلَّما ذُكِـرَت = دارُ الـسَلامِ لَـها أَلـقَت يَـدَ السَلَمِ
مــا ضـارَعَتها بَـياناً عِـندَ مُـلتَأَمٍ = وَلا حَـكَتها قَـضاءً عِـندَ مُـختَصَمِ
وَلا اِحـتَوَت فـي طِـرازٍ مِن قَياصِرِها = عَـلـى رَشـيدٍ وَمَـأمونٍ وَمُـعتَصِمِ
مَــنِ الَّـذينَ إِذا سـارَت كَـتائِبُهُم = تَـصَـرَّفوا بِـحُدودِ الأَرضِ وَالـتُخَمِ
وَيَـجـلِسونَ إِلــى عِـلمٍ وَمَـعرِفَةٍ = فَـلا يُـدانَونَ فـي عَـقلٍ وَلا فَـهَمِ
يُـطَـأطِئُ الـعُلَماءُ الـهامَ إِن نَـبَسوا = مِـن هَـيبَةِ الـعِلمِ لا مِن هَيبَةِ الحُكُمِ
وَيُـمطِرونَ فَـما بِـالأَرضِ مِـن مَحَلٍ = وَلا بِـمَن بـاتَ فَوقَ الأَرضِ مِن عُدُمِ
خَـلائِفُ الـلَهِ جَـلّوا عَـن مُـوازَنَةٍ = فَـلا تَـقيسَنَّ أَمـلاكَ الـوَرى بِـهِمِ
مَـن فـي الـبَرِيَّةِ كَـالفاروقِ مَـعدَلَةً = وَكَـاِبنِ عَـبدِ الـعَزيزِ الخاشِعِ الحَشِمِ
وَكَـالإِمـامِ إِذا مـا فَـضَّ مُـزدَحِماً = بِـمَدمَعٍ فـي مَـآقي الـقَومِ مُـزدَحِمِ
الـزاخِرُ الـعَذبُ فـي عِـلمٍ وَفي أَدَبٍ = وَالـناصِرُ الـنَدبِ في حَربٍ وَفي سَلَمِ
أَو كَـاِبنِ عَـفّانَ وَالـقُرآنُ فـي يَدِهِ = يَـحنو عَـلَيهِ كَـما تَحنو عَلى الفُطُمِ
وَيَـجـمَعُ الآيَ تَـرتـيباً وَيَـنظُمُها = عِـقداً بِـجيدِ الـلَيالي غَـيرَ مُنفَصِمِ
جُـرحانِ فـي كَـبِدِ الإِسلامِ ما اِلتَأَما = جُـرحُ الـشَهيدِ وَجُرحٌ بِالكِتابِ دَمي
وَمــا بَــلاءُ أَبـي بَـكرٍ بِـمُتَّهَمٍ = بَـعدَ الـجَلائِلِ فـي الأَفـعالِ وَالخِدَمِ
بِـالحَزمِ وَالـعَزمِ حـاطَ الدينَ في مِحَنٍ = أَضَـلَّتِ الـحُلمَ مِـن كَـهلٍ وَمُحتَلِمِ
وَحِـدنَ بِـالراشِدِ الـفاروقِ عَن رُشدٍ = فـي الـمَوتِ وَهـوَ يَـقينٌ غَـيرُ مُنبَهِمِ
يُـجـادِلُ الـقَـومَ مُـستَلّاً مُـهَنَّدَهُ = فـي أَعـظَمِ الرُسلِ قَدراً كَيفَ لَم يَدُمِ
لا تَـعذُلوهُ إِذا طـافَ الـذُهولُ بِـهِ = مـاتَ الـحَبيبُ فَضَلَّ الصَبُّ عَن رَغَمِ
يـا رَبِّ صَـلِّ وَسَـلِّم ما أَرَدتَ عَلى = نَـزيلِ عَـرشِكَ خَـيرِ الـرُسلِ كُلِّهِمِ
مُـحـيِ الـلَيالي صَـلاةً لا يُـقَطِّعُها = إِلّا بِـدَمـعٍ مِـنَ الإِشـفاقِ مُـنسَجِمِ
مُـسَبِّحاً لَـكَ جُـنحَ الـلَيلِ مُحتَمِلاً = ضُـرّاً مِـنَ الـسُهدِ أَو ضُرّاً مِنَ الوَرَمِ
رَضِـيَّـةٌ نَـفسُهُ لا تَـشتَكي سَـأَماً = وَمـا مَـعَ الحُبِّ إِن أَخلَصتَ مِن سَأَمِ
وَصَـلِّ رَبّـي عَـلى آلٍ لَـهُ نُـخَبٍ = جَـعَلتَ فـيهِم لِـواءَ الـبَيتِ وَالحَرَمِ
بـيضُ الـوُجوهِ وَوَجهُ الدَهرِ ذو حَلَكٍ = شُـمُّ الأُنـوفِ وَأَنـفُ الحادِثاتِ حَمى
وَأَهــدِ خَـيرَ صَـلاةٍ مِـنكَ أَربَـعَةً = فـي الـصَحبِ صُـحبَتُهُم مَرعِيَّةُ الحُرَمِ
الـراكِـبينَ إِذا نـادى الـنَبِيُّ بِـهِم = مـا هـالَ مِـن جَلَلٍ وَاِشتَدَّ مِن عَمَم
الـصـابِرينَ وَنَـفسُ الأَرضِ واجِـفَةٌ = الـضاحِكينَ إِلـى الأَخـطارِ وَالـقُحَمِ
يـا رَبِّ هَـبَّت شُـعوبٌ مِـن مَنِيَّتِها = وَاِسـتَيقَظَت أُمَـمٌ مِـن رَقـدَةِ العَدَمِ
سَـعدٌ وَنَـحسٌ وَمُـلكٌ أَنـتَ مالِكُهُ = تُـديلُ مِـن نِـعَمٍ فـيهِ وَمِـن نِـقَمِ
رَأى قَـضـاؤُكَ فـينا رَأيَ حِـكمَتِهِ = أَكـرِم بِـوَجهِكَ مِـن قـاضٍ وَمُنتَقِمِ
فَـاِلطُف لِأَجـلِ رَسـولِ العالَمينَ بِنا = وَلا تَــزِد قَـومَهُ خَـسفاً وَلا تُـسِمِ
يـا رَبِّ أَحـسَنتَ بَـدءَ الـمُسلِمينَ بِهِ = فَـتَمِّمِ الـفَضلَ وَاِمـنَح حُسنَ مُختَتَمِ
