لماذا وكيف يكذب الطفل؟
من الطبيعي أنّ كلّ الأطفال يمرّون بفترة في صغرهم لا يفرّقون فيها بين الحقيقة والخيال، وهو أقرب مايكون إلى اللعب، بل إنّه نوع منه ووسيلة للتسلية،كما أنه أحيانا يكون تعبيرا عن أحلام الطفل،أحلام اليقظة التي تظهر فيها آمال ورغبات الطفل التي لايمكنه الإفصاح عنها بأسلوب واقعي، ومن واجب الآباء تهيئة الفرص للأطفال للتعبير عن أنفسهم بهذا الأسلوب الخيالي، وفي نفس الوقت يجب عليهم أن يبصّروهم ويساعدوهم على التفرقة بين الواقع والخيال.
وظاهرة الكذب كما هي معروفة وشائعة بين الأطفال تجعلنا نتساءل: هل الكذب سلوك عرضيّ ظاهري له دوافع وقوى نفسية تجيش في نفس الفرد سواء كان طفلا أم بالغا؟ولماذا كيف يكذب الطفل؟
قد لايكون الجواب سهلا عن هذين التساؤلين، وبالمعنى النظري نستطيع القول بأنّ الأطفال يتعلمون الصدق والأمانة شيئا فشيئا من البيئة،إذا كان المحيطون بهم يراعون الصدق في أقوالهم وأفعالهم وحياتهم عامّة، ولكن إذا نشأ الطّفل في بيئة تتصف بالخداع وعدم المصارحة والتشكيك في صدق الآخرين فأغلب الظّن أنّه سيتعلّم نفس الاتجاهات السلوكية والأساليب في مواجهة مواقف الحياة وتحقيق أهدافه.
والطفل الذي ينشأ في وسط لايساعد على تكوين اتجاه الصدق والتدرب عليه، يسهل عليه الكذب خصوصا إذا كان يتمتع بالقدرة الكلامية ولباقة اللسان، أوكان خصب الخيال، فكلا الاستعدادين مع تقليده لمن حوله يدربانه منذ طفولته على الكذب، وعلى هذا الأساس فإن الكذب صفة أو سلوك مكتسب نتعلمه كما نتعلم الصدق وليس صفة نظرية أو سلوكا موروثا.
ويعتبر السن عاملا مهما عند تقدير خطورة ميله إلى الكذب من عدمها، فالطفل في سن الرابعة قد يسرد أقاصيص من وحي خياله الخصب لكن لا يمكن أن نعتبر هذا كذبا بالمعنى المتعارف عليه بين البالغين ذلك أن الصغير تختلط في ذهنه الأفكار ولا يميز بين الصحيح منها والخاطئ، كما أن خياله يصوّر له أفكارا بعيدة عن الواقع غير أنه يظنها حقيقة، ولعل هذا من أهم أسباب شغف الأطفال بسماع القصص الأسطورية لدرجة أنهم يتقمصون شخصياتها ويتعاملون معها على أنها واقع ملموس ويعيشون القصص بكل ظروفها وأحداثها.
وقد يلجأ الطفل إلى الكذب بغرض الاستحواذ خاصة إذا كان يعامل بقسوة من والديه أو يعاني من الرقابة المفرطة من الأهل فيفقد الطفل بذلك ثقته فيهم، فيلجأ إلى الكذب للاستحواذ على أي شيء يريده منهم أو أي رغبة تتملكه كالنقود مثلا أو الألعاب...الخ.
وقد دلت بعض الدراسات النفسية على أن الطفل عندما يفقد الثقة في بيئته يشعر بالحاجة إلى امتلاك أكبر قدر ممكن من الأشياء، وفي سبيل تحقيق ذالك يلجأ عادة للكذب، كأن يدعي أنه مطلوب منه مبلغ مالي للمدرسة وهذا غير صحيح إنما هو يريدها فقط لوضعها في جيبه وذالك للشعور بالراحة النفسية وتنفيس القلق لديه إلى غير ذالك من الحيل. وقد يكذب لغرض الانتقام والكراهية فنراه يسقط اللوم على شخص ما يكرهه أو يغار منه، وهو من أخطر أنواع الكذب الطفو لي على الصحة النفسية وكيان المجتمع ومثله ومبادئه، ذالك أن الكذب الناتج عن الكراهية والحقد هو كذب مع سبق الإصرار والترصد ويحتاج الطفل لتنفيذه إلى تفكير وتخطيط مسبق بقصد إلحاق الأذى والضرر بمن يكره، ويكون هذا السلوك عادة مصحوبا بالتوتر النفسي والألم، ويكون الكذب في مثل هذه الحالات تنفيسا عن الكراهية المكبوتة في نفس الطفل ضد من يكره وقد يؤدي بنا إلى اكتشاف بذور شخصية إجرامية إذالم يتم التحكم فيه ومعالجته في حينه.
كما قد يحدث هذا النوع من الكذب بين الإخوة في الأسرة الواحدة بسبب التفرقة في المعاملة بينهم من طرف الأبوين خاصة والأهل عامة، أو بين التلاميذ في المدرسة نتيجة الغيرة.
إضافة إلى نوع آخر من الكذب نتيجة الخوف من العقاب، نجده ملازما للأطفال الذين يتربون في أسر يسودها الصرامة النظام في التعامل.
وقد دلت دراسات نفسية كثيرة على أن حوالي75 % من أنواع كذب الأطفال يرجع إلى الخوف من العقاب وتهكم البالغين من سلوكهم، وحوالي10% منها ترجع إلى ميل الطفل إلى أحلام اليقظة والخيال وعدم الدقة في نقل التفاصيل والالتباس، وحوالي15% منهاترجع إلى غرض الغش والخداع والكراهية.
ولهذا وجب على كل أب صارم أن يغير أسلوبه لأن التربية السليمة لاتعني أن يخافك طفلك وإنما أن تعلمه بأن هناك من هوأعلم وأقدر وأكبر من والديه كي يخافه ألا وهو الله رب العالمين وعندها فقط يهابك طفلك دون خوف ويخشى ربه مع حبه له فينجو من زلات الحياة ويتكوّن شخصا سليما نفسيا ونقيا روحيا وعقليا.